بورصتا «نيويورك يورونيكست» و«دوتشه بورس» تندمجان في أكبر بورصة في العالم


جيرمي جرانت
على بعد ثلاثين ميلا شرق لندن، وفي مستودع مساحته بحجم تسعة ملاعب لكرة القدم، هناك صفوف من رفوف أجهزة الحاسوب تقبع في غرف سرية مبردة. والعنصر البشري الوحيد في

شتى الأرجاء هو فنيو الصيانة الذين يتأكدون من أن الحاويات المملوءة برواسب جليدية جاهزة لضخ المادة المبردة حول الموقع إذا تعطل التكييف الهوائي.

أهلا بكم إلى البورصة التي تديرها بورصة نيويورك يورونيكست، مشغل بورصات باريس وأمستردام. وعبر الأطلسي، في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، صممت المجموعة مرفقا مماثلا لتداول الأسهم الأمريكية.

في مراكز البيانات مثل هذه، يعطى لمتداولي ''التردد العالي'' رف متسع يمكنّهم من وضع أجهزتهم إلى جانب نظام مقارنة التداول الإلكتروني الخاص بالبورصة، وبالتالي تخفيض أجزاء الثانية من الوقت الذي تستغرقه العملية لإتمام صفقة ما.

ربما لا يبدو ذلك مألوفا لأي شخص اعتاد أن يرى قاعة التداول التقليدية على نحو أكثر في بورصة نيويورك – التي تديرها بورصة نيويورك يورونيكست كذلك – على شاشات تلفزيوناتها. ولكن هذه المرافق ستكون الوجه الجديد لبورصة ضخمة عابرة للأطلسي من المتوقع تأسيسها بعد أن وافقت بورصتا نيويورك يورونيكست، والبورصة الألمانية، أكبر مشغلين للبورصة، على تنفيذ عملية دمج قريبا.

ظهر دنكان نيدرور، الرئيس التنفيذي لبورصة نيويورك يورونيكست الذي سيدير المجموعة المندمجة، في قاعة بورصة نيويورك، وهو يتحدث إلى المتداولين قبل لحظات من نشر تفاصيل الدمج في بث إذاعي عبر الأطلسي بمشاركة نظيره في البورصة الألمانية، ريتو فرانشيوني.

على الصعيد البصري، كان من المهم التخلي عن الطريقة القديمة لتنفيذ الأمور. وحيث اكتسحتها موجة جديدة من الاندماجات العالمية، فإن البورصات، والدور الذي تلعبه في الاقتصادات تتحول سريعا إلى أبعد بكثير من نطاق المفاهيم السائدة منذ فترة طويلة عند معظم المستثمرين، والشركات، والجمهور.

أما اليوم، وبدلا من النوادي القديمة التي يملكها الأعضاء، والتي كانت توفر للشركات منصة تستطيع منها زيادة رأس المال، فإنها شركات تسعى إلى تحقيق الربح، ومدرجة بطريقة الشركات العادية ذاتها، ومتحمسة لتلبية رغبات المساهمين الخارجيين.

وحيث إن عملها الأساسي في السابق المتمثل في مشاركة التداول أنهكته المنافسة من قبل المنصات الجديدة التي ظهرت في أقل من عقد من الزمن، تبحث البورصات الكبيرة عن مصادر جديدة للعوائد – بما في ذلك التداول في المشتقات المالية والمقاصة.

يثير ذلك المخاوف بين منافسيها من البنوك إزاء قوتها في الوقت الذي يُخضع فيه المنظمون من مجموعة العشرين للاقتصادات الرئيسة ''النظام البيئي'' للتداول – المعروف باسم هياكل السوق – إلى إصلاحات ساحقة، حيث إنهم يعملون جاهدين لجعل النظام المالي أكثر أمنا في أعقاب أزمة عام 2008.

يقول الأستاذ جيمس إينجل، من جامعة جورجتاون في واشنطن: ''يجب أن يعيد الناس التفكير في الطريقة التي ينظرون بها إلى البورصات. وهي ليست مكانا وحيدا يقرع فيه بنو البشر الأجراس – إنها شبكات تقنية عالمية شاسعة، وغير مهيكلة''.

يقول مايكل جورهام، من معهد إلينوي للتقنية: ''بغض النظر عن المرات التي تقول فيها البورصات إنها مواقع لجمع رأس المال، وتقول بورصات العقود الآجلة إنها مواقع لإدارة المخاطر، فإن الخلاصة في أنموذج تدفعه الأرباح هي: أي شيء يولد المزيد من أنشطة التداول والمضاربات، من شأنه أن يولد المزيد من النشاط التجاري بالنسبة إليها''.

إن إلقاء نظرة على الأرقام الكامنة خلف صفقة البورصة الألمانية تكشف عن القصة بأكملها. وبنسبة 37 في المائة من الإجمالي، فسيكون أكبر مصدر لعوائد المجموعة المندمجة هو التداول في المشتقات والمقاصة. والمشتقات هي أدوات مالية قيمتها مشتقة من الأصول الأساسية، مثل السلع، أو بحسب وجهة نظر المستثمر للمؤشر الاقتصادي، مثل توقعات معدلات الفائدة. والمقاصة هي عملية ما بعد التداول التي تسهم في ضمان إتمام التداولات إذا تخلف أحد الأطراف عن السداد، والتي أصبحت هي مقرات التداول الرئيسة حينما نظم تشريع مثل قانون دود - فرانك الأمريكي تداولها على نطاق أوسع مثل البيع المباشر، أو خارج أسواق المشتقات بما يتجاوز نطاق البورصة.

يأتي في المرتبة الثانية للمقاصة وتداول المشتقات، تداول الأسهم والإدراج بنسبة 29 في المائة من مصدر عوائد المجموعة الجديدة. وفي واقع الأمر، قال نيدرور إنه ''لم يفكر على الإطلاق أن مستقبل البورصات كان يتمحور فقط حول تداول الأسهم''.

اضطرت البورصات إلى اتخاذ موقف الدفاع حينما ولدت قوانين اللعبة في التداول المشترك المنافسة. وشجعت التنظيمات، مثل توجيه أسواق الأدوات المالية الصادر عن المفوضية الأوروبية ''فيفيد''، عام 2007، على ظهور منافسين ناشئين للبورصات الوطنية السابقة في أوروبا. ودعم معظمها البنوك التي اعتادت أن تكون أكبر مالكي البورصات خلال الأيام التبادلية.

وضعت أخيرا اثنتان منها، بورصة تشي إكس يوروب، وبورصة باتس للأسواق العالمية، الصيغة النهائية لصفقة من أجل الاندماج، وبالتالي تأسيس أكبر موقع للتداول المشترك في أوروبا. ولدى البورصتين العديد من المساهمين المشتركين: بنك سيتي جروب، وبنك كريدي سويس، وبنك بانك أوف أمريكا ميريل لينش، وبنك مورجان ستانلي، وشركة جيتكو لتداول الملكية مقرها مدينة شيكاغو، وتشتهر بالتداول عالي التردد، حيث تستخدم الرياضيات الخوارزمية بواسطة الحاسوب لإضافة أرباح ضئيلة عن طريق الاندفاع سريعا إلى داخل الأسواق، والخروج منها.

في الوقت ذاته، مكنت الإنجازات التقنية من ظهور منافسين من خارج البورصة، بما في ذلك ''التجمعات المظلمة'' – مواقع تداول خارج البورصة مدعومة في الغالب من قبل البنوك والوسطاء. ويساعد هذه المنصات كذلك ظهور المتداولين بتردد عالٍ.

أما الآن، حيث إنها أكثر التزاما تجاه مساهميها، وليس لمقومات أخرى، فإن البورصات تجد نفسها محرضة ضد أولئك البنوك والوسطاء في صراع لاجتذاب السيولة - طلبيات تداول – تجاه منصاتها. ويقول سيث ميرين، مؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة ليكويدنيت في الولايات المتحدة، أكبر مشغل للتجمعات المظلمة: ''شهدت البورصات في الأسواق المتطورة زوال حصة سوقية مهمة، واتجه أفضل زبائنها نحو أشد منافسيها''. ويقدر بنك مورجان ستانلي أن المنافسة في أوروبا قلصت عوائد البورصات بنحو 15 في المائة منذ عام 2008.

يحاول بعض البورصات إيجاد أرضية مشتركة مع منافسيها في معركة للحصول على حصة من سوق الأسهم. وأصبحت بورصة سيكس السويسرية في الشهر الماضي الأولى التي تتعاون مع شركة ليكويدنيت، حيث تسمح كل منهما للأخرى بإمكانية الوصول إلى زبائنها.

كما أن البورصات تضغط على جهات التنظيم للتدقيق في التداولات خارج البورصة. وتقوم هيئة الأوراق المالية والبورصات بمراجعة هياكل السوق. وفي غضون ذلك، فإن المفوضية الأوروبية في غمرة أول مراجعة لها لتوجيه ''فيفيد''، وأوصت فعليا بتدابير القصد منها مساعدة المستثمرين على بناء صورة أوضح لـ أين وكيف يتم تداول الأسهم.

على الرغم من ذلك، تعتقد البورصات أن السلاح الأكثر فعالية في معركتها المضادة هو مزيج من الاندماجات، والاندفاع نحو المشتقات والمقاصة. وهذا هو السبب الرئيس كذلك للقلق من جانب المشاركين الآخرين في السوق – وعلى وجه الخصوص حينما تملك البورصة دارا للمقاصة، حيث إن معظم البورصات الكبيرة تملك واحدة مثل هذه.

من شأن ضبط تداول المشتقات، وتصفيتها - مزيج معروف بعبارة ''الصومعة العمودية'' - أن يعطي مشغلي البورصات صلاحية منع المنافسين من الدخول، والاحتفاظ بالعقود المربحة والعوائد داخليا. وهذه هي الطريقة التي بنت مجموعة سي إم إي، أكبر بورصة عقود آجلة في العالم، حصتها السوقية البالغة 98 في المائة، بتداول أحجام كبيرة بمعدلات الفائدة الأمريكية على العقود الآجلة.

كما أن معدلات الفائدة على العقود الآجلة هي أكثر العقود ربحية في بورصة نيويورك نيورونيكست، والبورصة الألمانية. والهدف الرئيس من عملية الاندماج هو ضم سوقيها للمشتقات – على التوالي، بورصة نيويورك ليفي في لندن، ويوريكس في فرانكفورت – الأمر الذي يسمح لهما بتحدي هيمنة مجموعة سي إم إي.

إن آفاق هذه القطبية المزدوجة العالمية هي ما يقلق البنوك التي حاولت بشكل متكرر، وفشلت، في التغلب على بورصات المشتقات الحالية. وبالكاد استطاعت بورصة إي إل إكس في نيويورك، يعود تاريخ تأسيسها إلى عامين، ويدعمها بعض البنوك، أن تضر بمجموعة سي إم إي. ويقول باتريك أوشاوفنسي، المحل لدى شركة ريموند جيمس: ''إن الاندماجات بين المنشآت الأكبر مثل بورصة نيويورك يورونيكست، والبورصة الألمانية، تبرز طيف شكاوى مكافحة الاحتكار، حيث إنها تدمج الأسواق الرئيسة على نحو أكبر''.

الأداة الأخرى القوية هي ملكية مؤشر سوق الأسهم. وتمتلك البورصة الألمانية مؤشر ستوكس، بينما سيطرت مجموعة سي إم إي في العام الماضي على مؤشر داو جونز من مجموعة نيوز كورب. ومن شأن هذا أن يعطي كل بورصة الحق الحصري في تطوير منتجات مشتقات اعتمادا على مؤشراتها.

إن القلق بشأن قوة البورصات اشتد في الوقت الذي تسعى فيه البنوك والبورصات إلى الاستفادة من هياكل السوق التي تخرج من الإصلاحات، وهي محفوظة بتنظيم جديد يتعلق بالمشتقات التي تباع مباشرة، والمقاصة. ومثل قانون دود - فرانك الأمريكي، فإن مقترحات تنظيم البنى التحتية للأسواق الأوروبية ''إمير''، ومراجعة توجيه ''ميفيد''، تسعيان إلى دفع المشتقات التي تباع مباشرة إلى التداول عبر دور المقاصة.

إن ملكية دور المقاصة تجعل البورصة الألمانية وبورصة نيويورك يورونيكست المندمجة في مركز قطبي للاستفادة من فرص تصفية البيع المباشر للمشتقات، على الرغم من أن مشاركي الصناعة ليست لديهم فكرة واضحة عن مدى حجم المنافع التي تثبتها تماما.

من بين الآخرين الذين يندفعون سريعا نحو قطاع العمل مجموعة سي إم إي التي تمتلك، ليس بورصة شيكاغو التجارية فقط، وإنما كذلك دار مقاصة كبيرة، وكذلك مجموعة إل سي إتش كليرنيت، وهي دار مقاصة في المملكة المتحدة، وبورصة إنتركونتينتال، البورصة الأمريكية، وتداول المشتقات بشكل مباشر، وقطاع عمل تصفية، ومثل منافستها مجموعة سي إم إي، لديها دار مقاصة في لندن كذلك.

يقدر بروس هاملتون، المحل لدى بنك مورجان ستانلي، أن تصفية المشتقات التي تباع مباشرة ربما يقدم نحو مليار دولار من العوائد المشتركة بينها جميعها – رقم متواضع نسبيا لقطاع عمل كان يثنى عليه وكأنه فرصة هائلة.

مع ذلك، وفيما يتعلق بمسألة في غاية الأهمية، فإن شكل تنظيم المشتقات التي تباع بشكل مباشر ما زال غير واضح: ما إذا كان يجب تقديس أنموذج تبادل الصومعة العمودية – الأمر الذي من شأنه أن يعطي صلاحيات كبيرة إلى البورصات – أو الإصرار على أن تبقى دور المقاصة مفتوحة أمام المنافسة.

يقتضي قانون دود – فرانك الأمريكي أن تقبل دور المقاصة تصفية المشتقات التي تباع مباشرة من أي منصة. ويرى البعض هذا الأمر على أنه تمهيد محتمل للإزالة الحتمية للصوامع العمودية التي تنطوي على مشتقات متداولة في البورصة.

في أوروبا، انفجرت معركة ضغوط شرسة بشأن القضية خلال الأسابيع الأخيرة. وتدفع البورصات – بما فيها البورصة الألمانية – باتجاه مقترحات تنظيم ''إمير'' التي تقتضي أن تكون تصفية المشتقات مقتصرة على المنتجات التي تباع مباشرة، حسبما يقول أشخاص مطلعون على المسألة ويضغط آخرون، البنوك إلى حد كبير، باتجاه الوصول بشكل مفتوح إلى التصفية ليشمل المشتقات التي يتم تداولها في البورصة، الأمر الذي من شأنه أن يهدد الصومعة العمودية.

يقول ألكيس مكدونالد، الرئيس التنفيذي لاتحاد وسطاء السوق الشاملة – الذي يمثل وسطاء ما بين التجار الذين يفاوضون بشأن الصفقات بين البنوك في المشتقات التي تباع مباشرة: ''إن اندماج البورصة الألمانية وبورصة نيويورك يورونيكست ''سيولد صومعة تصفية عمودية مهيمنة على نحو أكثر''، ويعتقد أن تنظيم ''إمير'' يجب أن يسمح بإمكانية الوصول المفتوح إلى دور المقاصة.

في واقع الأمر، فإن القوة السوقية للبورصات في هذا المشهد الجديد يمكن أن تكون محدودة رغم ذلك بطرق أخرى، حينما تحارب البنوك، والوسطاء، للاحتفاظ بالسيطرة على عمل التداول في المشتقات التي تباع مباشرة. وتأرجحت بعض البنوك فعليا خلف المنصات الجديدة على أمل أن تحصل على مثل تلك الأعمال، مثل مجموعة تريدويب التي يمتلكها تومسون رويترز، وعشرة بنوك.

يضغط وسطاء ما بين التجار قدما باتجاه منصات تداول المشتقات التي تباع مباشرة، حيث تبني مجموعة إيكاب، أكبر وسيط في هذا المجال، خدمات متخصصة لما بعد تداول المشتقات التي تباع مباشرة لدعم مثل تلك المنصات والبنوك.

ويقول هاملتون في هذا الصدد: ''ليس من الواضح بالنسبة إلينا أي البورصات أفضل لتمسك بهذه الفرص. وينشئ ذلك معركة جديدة للبورصات، وليس من الواضح على الإطلاق كيف سيتضح ذلك''.


No comments:

Post a Comment